الشيخ محمد رشيد رضا

270

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الحسن وحسبهم ما أصيبوا وما يصابون به من الجزاء السىء في الدنيا . واعلم أنه لا يوفى أحد جزاءه في هذه الدار لأن توفية الأجور انما تكون في الآخرة قال : ويصح وصلها بما قبلها من قوله تعالى وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الخ أي إن أولئك البخلاء الذين يمنعون الحقوق وأولئك المتجرئين على اللّه والظالمين لرسله والذين عاندوا خاتم النبيين - كل أولئك سيموتون كما يموت غيرهم ويوفون أجورهم يوم القيامة - وكذلك لا يحسبن أحد من المؤمنين الذين يقاومون هؤلاء ويلقون منهم في سبيل الايمان ما يلقون أنهم يوفون أجورهم في الدنيا ، كلا انهم انما يوفون أجورهم يوم القيامة . وأقول : ان الكلام في الآيتين هو تصريح بما في ضمن الآية السابقة من التسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولمن اتبعه والتفات إلى خطابهم فان توفية الأجور متبادرة في الخير ، فهذه الآية تمهيدا لما بعدها ليسهل على المسلمين وقع إنبائهم بما يبتلون به ثم قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ والمعنى ظاهر يفهمه كل من يعرف العربية وهو ان كل حي يموت ، فتذوق نفسه طعم مفارقة البدن الذي تعيش فيه ولكنهم أوردوا عليها إشكالات بحسب علوم الفلسفة التي تغلغلت اصطلاحاتها في كتب المسلمين ، لذلك قال الأستاذ الامام : لكلمة « نفس » استعمالات يصح في بعض المواضع منها ما لا يصح في موضع آخر ، والمتبادر هنا أن المراد بالنفس ما به الحياة المعروفة في الحيوان ، ولا يصح أن تكون هنا بمعنى الذات‌أى فيقال : انه يدخل في عمومها البارىء تعالى لإضافة لفظ النفس اليه عز وجل ) واستشكلوا موت النفس مع أنها باقية لأنها تبعث يوم القيامة وإنما يبعث الموجود ولو عدمت النفس لما صح أن يقال إنها تبعث . وإنما كان يقال توجد . وأجابوا عنه بأن كونها باقية لا ينافي كونها تذوق الموت فان الذي يذوق هو الموجود والميت لا يذوق لأن الذوق شعور فالحالة المخصوصة التي هي مفارقة الروح للبدن إنما تشعر بها النفس . وأما البدن فلا شعور له لأنه يموت . ومن العبث والجهل البحث في تعريف الموت فالموت هو الموت